headerphoto

Rando-plongée à Belyounech 24-26 juillet 2015

 

 
 
 
   
شفية شايب
 
 

لحظاتٌ خارج الزمن ...

 

بين واجب ثقيلٍ مضى و واجب آت ، أدركت لا مفر من الهرب ، و الخروج عن سكة اليومي الخانق لأحيا قليلا . يوم قرأت إعلان رحلة رندوبيديا لشمال المغرب مع وعدها بتجربة الغوص قررت أن أرمي كل الالتزامات وراء ظهري  ، لأمضي نحو التحرر ...
تجربة الغوص كانت تحديا لمن لا يجيد السباحة مثلي، لكن فكرة أن أعيش للحظات متحررة من قيد الجاذبية و فكرة أن أطفو و أن أتخلص من ثقل الجسد كانت ساحرة لدرجة قررت معها إخراس صوت مخاوفي و خوض التجربة .
بعد أسبوع عمل حافل أتى يوم الجمعة المنشود ، يومٌ حزمت فيه أمتعتي و مضيت نحو مكان اللقاء ...
انطلقنا بعد أن ألتحق كل المشاركين بالحافلة، لنصل وجهتنا ليلا . بعد العشاء ، إلتحق الجميع بغرفه للنوم إستعدادا لغد حافل . كانت لحظة تحديد وقت الاستيقاظ صعبة بالنسبة لي و للفتاتين اللتين شاركتاني الغرفة فقد كانت تلك نهاية الأسبوع و الغد سبت و النوم سلطان ... غير أننا إستيقظنا قبل منبهاتنا بكثير، استيقظنا على صياح ديك ظنناه لُقِّن الصياح عمدا لإيقاظنا ...
إنطلقت رحلتنا بعد الإفطار مباشرة ، و قبل البداية بقليل كان لا بد من تذكر من أدركوا النهاية ، و لبس شارات سوداء حدادا على عضوين من المجموعة غادرا عالمنا في الأيام السابقة . مشينا ساعاتٍ لإحياء ذكراهم و مشينا أيضا للتخفيف من ثقل الحياة... بعد الترحمِ و الوقوفِ دقيقةَ صمتٍ و الدعاء... كان لا بد من مواصلة السير... كانت السبل التي سلكناها صعودا و هبوطا مطلة في أغلبها على جمال البحر الأبيض المتوسط بأزرقه الفتان و صفاء صفحته ... و كانت شمس الصيف الحارقة رفيق دربنا مع بعض الإرهاق و العطش... غير أن هذه كانت مجرد تفاصيل صغيرة، تمحى بمجرد النظر و التفكر في جمال الطبيعة حولنا... مشينا و مشينا و صوت جمال المشجع يمنينا بقرب الوصول في كل آن ...

 

في منتصف النهار أدركنا الشاطئ الصغير حيث ستجري عملية الغوص.  بعد تناول وجبة الغداء وَ تَلَقِّينَا شرحا مبسطا لمراحل الغوص من المسؤول عن المكان . جرى تقسيم المجموعة لفرق صغيرة ستخوض التجربة تباعا. طوال هذه الفترة قمت بنجاح بإخراس جميع تلك الأصوات الصغيرة داخل رأسي، و التي تدعوني للتعقل و تذكر أن لا خبرة لي بالسباحة. تلك الأصوات التي لطالما عددت لي مخاوفي واحدا واحدا. خلال فترة الانتظار، و مع توالي المشاركين كنت أشغل نفسي عن الاستماع لتجارب من مروا، بمراقبة المكان و التأمل، مُذَكِّرَةً نفسي أننا لا نعيش التجربة ذاتها بنفس الطريقة و أن كل منا يرى الأشياء من منظور مختلف ... أتى دوري أخيرا و بعد إرتداء بذلة الغوص كان لا بد من المضي قدما نحو الأزرق . أحد المشرفين لمس ارتباكي و خوفي اللذان حلا قبيل البداية بقليل و استطاع بخبرته أن يبدد  كل مخاوفي ليسلمني بعدها للمدرب الذي محى بدوره ما تبقى من خوف و تهيب ... بعد إرتداء باقي المعدات بما في ذلك أنبوب الهواء غطسنا معا ... لأحيا أحد أجمل التجارب في العمر ... تجربة لا تشبه شيئا مما خبرته قبلا... تجربة لأحياها حقا كما يليق بها ، كان لا بد من التخلص من كل ما لقنته لحد الآن ، و كان لا بد من أن أسلم قيادي كليا للمدرب التي رافقني و أن أجرب معنى الثقة الكاملة و المطلقة ... كانت تلك الدقائق العشرون كما الحلم ... خلالها تخلصت من قيد الجسد و ثقله و جربت معنى أن أطفو... برودة المياه التي تخللت ثياب الغوص كانت كما البلسم تمحو بلمستها كل تعب و إرهاق و قلق ... الأزرق المحيط بنا من كل جانب كان كحضن أمان خارج الزمان... و تلك السمكات التي حللنا ضيوفا على عالمها كانت تمر أمام ناظري أراها و أرى فتنتها و لا تراني، ففي عالمها ما يكفي من السحر ليشغلها عن كل زائر غريب... كانت تلك الدقائق العشرون القصيرة حلما حقيقيا كنت خلاله سِواي... و كما كل حلم مر الوقت سريعا لأستيقظ و المدرب يعيدني ضاحكا للسطح معلقا أنني في النهاية لم أخف كما توقع... عدت لأرض الواقع و لم أتوقف أبدا على محاولة استرجاع تفاصيل الحلم ... غير أني قليلا ما أنجح ، لأن ما عشته و ما كان أجمل بكثير من الكلمات . عدت لأرض الواقع. و بي شبه يقين أن الحياة الحقة ، هي كل ما يقع خارج مخاوفنا و توقعاتنا ... و هي أيضا كل ما يقع متى تخلصنا مما لُقِّنَاه ...  و متى تحررنا من المقارنات ... و أسلمنا قيادنا بثقة لمن يقودنا نحو المغامرة و العيش...عدت لأرض الواقع و بي شبه يقين أنني سأعيد الكرة متى توفرت الفرصة، لأمسك بالحلم و أراه بشكل أوضح ...



واصلنا رحلتنا بالعودة لمكان الإقامة حيث توالت أحداث السهرة بعد تناول وجبة العشاء بأن قرر من استطاعوا التغلب على إرهاقهم الخروج للاستمتاع بما تبقى من وقت معا . رغم تخلفي عن المشاركة كان الحماس اللذي عاد به من ذهبوا دليلا على استمتاعهم لأخر لحظة ...
أتى يوم الأحد كعادته مسرعا، و شد الجميع رحاله استعدادا للرحيل غادرنا مكان إقامتنا بعد الإفطار مباشرة و في قلوبنا الكثير من الامتنان لحفاوة و تفاني مضيفاتنا. مرت الصبيحة كما البرق لنلتحق بحافلتنا بعد وجبة غداء شهية في مرسى المدينة . غادرنا المدينة في منتصف النهار و بينما استسلم أغلب المسافرين للنوم من إرهاقهم . لم أستطع إغماض عيني و النوم مخافة الاستيقاظ و إنهاء حلم أعيشه واقعا ...
 ...
تلك كانت حكاية ما عشته خلال يومين كما رأتها عيناي ... و لكل حكايته و تجربته التي و إن اختلفت تفاصيلها إلا أنها تتفق جميعها في نقطة مفادها أن السعادة و المتعة كانتا في الموعد خلال رحلتنا مع رندوبيديا ...
شكرا للجميع و إلى حلم قادم ...
تحرير : شفية شايب