headerphoto

Randopedia dans taza , 12-13 mai 2012

 
 
 
Par :  

شافية الشايب

 
 

أيام في رحاب البساطة و الجمال : رحلة واد درعة :30 نونبرـــ03 دجنبر 2017



الكتابة عن الأيام الثلاثة الماضية التي حملتني صوب مناطق و مدن من جنوبنا الشرقي، تحاكي بصعوبتها محاولة الإمساك بأشعة الشمس، نراها، و نحس دفئها، غير أننا لا نستطيع إحكام قبضتنا عليها و الإحتفاظ بها ... و مع ذلك،فما تبقى لي من دفئ رافقني حتى بعد إنتهاء الرحلة، دفعني دفعا لإستحضار ما علق بالذاكرة من تفاصيل صغيرة صنعت فرحة الأيام الماضية و محاولة الكتابة عسى أنتحفظ الكلمات، كما الصور، ذاكرة الأيام الماضية . 
كانت البداية ذات صباح باكر جدا، و كان فراق الدفئ و التوجه صوب ما لا أعرفه صعبا بعض الشيء، غير أنني خبرت السعادة التي أحسها متى دفعت بنفسي دفعا خارج " منطقة راحتي" و ابتعدت عن المألوف ...
الرابعة صباحا، حافلة باردة تمتلئ تدريجيا برفاق الرحلة و بما حملوه معهم من طاقة إيجابية و ابتسامات ما لبثت أن طغت على البرد و بقايا النوم، لنركب طائرتنا بيقظة من أمضى ليلة نوم كاملة ...
أولى المحطات كانت مدينة زاكورة، تلك المدينة البسيطة، الفقيرة ماديا الغنية بطيبة غادرت مدننا الكبرى ... 

بداية، مررنا بمصنع تقليدي للفخار الأخضر الذي تتميز به قرية تمڭروت التي تبعد ب 20 كلم عن زاكورة، صبر العمال لإنجاز عمل كان ليكون أكثر بساطة و سهولة لو توفرت لهم آلات و ظروف عمل أحسن وضعني أمام حالة عدم الشكر اليومية التي أعيشها، أنا التي أعمل في ظروف أفضل لا أرى فيها إلا الجانب السيء دون غيره. صبر أولئك العمال و استمرارهم في عمل ربما لا يمنحهم من المال إلا النزر القليل الذي يكاد يكفي للعيش و يسد رمق عائلاتهم، كانا هما التذكار الذي حملته معي من ذلك المكان و صارت تلك الأواني الفخارية البسيطة الخضراء أكثر جمالا لكونها محملة بالكثير من صبر و قناعة صانعيها ...


بعدها حملتنا السيارات الرباعية الدفع سالكة تلك الطرق غير المعبدة، التي غالبا ما تمنحنا عند الوصول الكثير من الجمال... لنصل وسط النهار لمنطقة أخبرنا مرشدنا و سائقنا الطيب "يوسف" أنها تسمى "عرق ليهودي". كانت المنطقة تحمل كل سحر الصحراء بكثبانها الرملية التي تتوسطها خيام أضافت للمكان جمالية أكثر. بإحدى تلك الخيام كانت وجبة غدائنا الأشهى خلال الرحلة ربما لكون كل مكوناتها طبيعية جدا لم يطلها تلوث، أو ربما لأنها كانت وجبة مستحقة أتت بعد سفر و تعب و ترحال ... 
بعدها سلكنا طريقنا "غير المُعَبَّد" بين الكثبان الرملية صوب "محاميد الغزلان" آخر قرى المنطقة حيث كانت القوافل قديما تمر حاملة سلعها واصلة المنطقة بغيرها ... كان مستقرنا بالمحاميد فندق يحمل الكثير من سحر المنطقة و  جمالها و هدوئها... منه انطلقنا بعد أن استرجعنا بعضا من طاقتنا في جولة استكشاف ليليّةٍ وسط كثبان رملية تزينها سماء كاد قمرها أن يكتمل و رصعتها الكثير من النجوم...

اليوم الموالي حملنا صوب قرية تمكروت مستقر الزاوية الناصرية و جنة المخطوطات، كما يسميها البعض، حيث تحتوي على إحدى أهم مكتبات المملكة.

 

 

https://scontent-mad1-1.xx.fbcdn.net/v/t34.0-12/24989547_10213563507817946_645665920_n.jpg?oh=b4354a3491f996fbdb3c6964b1576742&oe=5A29FE07

بعدها عرجنا على "أكدز" و قصبة "تامنوغالت" الغنية بقصورها الطينية الموغلة في القدم، و الشديدة الجمال... بين أزقة القصبة الزاخرة بحكايا أزمنة ولت، و بين واحات النخيل، سلكنا الطريق الذي قادنا صوب حافلاتنا، لنتجه صوب ورززات مع غروب الشمس الذي زين السماء بتدرجات لونية ساحرة قلما نرفع أعنيننا لنراها في الأيام العادية ...

 

بنُزُلٍ محاذي لمدينة ورززات قضينا ليلتنا الثانية، و في حضن إحدى خيامه المعدة لاستقبال الضيوف كانت سهرتنا الأولى، حيث محت الرفقة الجيدة و إيقاعات الموسيقى آخر ما تبقى من توتر أيام العمل، نسينا لساعات ما تركناه خلفنا من مسؤوليات و هم، وعاد الجميع لعفوية الطفولة و فرحها لمدة ساعات ...
خلال اليوم الثالث و الأخير كانت زيارة الأستوديو السينمائي لورززات رفقة دليلنا الشاب الذي قادنا وسط ما تبقى من ديكورات أفلام عالمية صورت بالمدينة ... ما بين ديكور فرعوني و أخر أسيوي، ووسط أجواء أفلام أسطورية مرت صبيحتنا كما الحلم  لنغادر صوب العراقة والتاريخ، صوب قصبة "آيتبنحدو" الرائعة الجمال )والتي تعد تراثا عالميا، حسب منظمة اليونسكو)! تعتبر هذه القصبة نموذجا لمعمار الأزمنة الماضية، معمار شديد البساطة و الجمال و شديد المتانة أيضا ... كانت ارتقاء تلك الدرجات المؤدية إلى أعلى مكان في القصبة حيث برج المراقبة مرورا بأزقة تزخر بدكاكين صناع تقليدين و رسامين بمثابة رحلة عبر الزمن، و كان المنظر من أعلى عبارة عن مكافأة لنا على تكبد الصعود و النزول : واحات نخيل و "قصور" بطابع المنطقة أنى وجهنا النظر ...

 

خلال الليلة الأخيرة، و قبل المغادرة التي كان يفصلنا عنها ساعات قليلة، أصرت غالبية المشاركين على السهر رغم إدراكهم صعوبة الاستيقاظ باكرا، و لسان حالهم يقول كما قال درويش "لا أريد لهذه الرحلة أن تنتهي" ... بين محاولة إيجاد عناوين لأغاني و بين مواقف انتزعت ضحكات الجميع مرت السهرة الأخيرة ... ليغادر من غادر و هو يحمل رغما عنه بعضا من الأخرين ...
ثلاثة أيام كاملة كانت كفيلة بتقريب المسافات رغم اختلاف الأفكار و الرؤى ... ثلاثة أيام كاملة تخللتها الكثير من الأحاديث الشيقة و المواقف الجميلة ... ثلاثة أيام كاملة صحبة أشخاص ألتقي أغلبهم للمرة الأولى و غادروا كل يحمل معه الكثير من الذكريات و أرقام هواتف ووجوه جديدة تمحو عن الأيام رتابتها ...
ثلاثة أيام كاملة و صبر منظمين و سعة صدر لم تنضب ... شكرا جمال أحمد و أنس على التنظيم و على كل اللحظات الجميلة ... و شكرا لكل رفاق الرحلة واحدا واحدا ربما لا أذكر الأسماء كلها لكنني أحمل معي الكثير من الوجوه الطيبة و الجميلة و الكثير من قصاصات الأحاديث لن أنساها ...

مع محبتي : شافية الشايب