headerphoto

روندبيديا - ليلة الرابع عشر من رمضان 2015

 

 
 
 
   
شفية شايب
 
 

ليلة الرابع عشر من رمضان، والقمر بدر، كانت تلك ليلة المشي ليلا.

 

المشي دون هدف ظاهري، المشي كوسيلة لملامسة المهم والأساسي، جرى أول لقاء على الحدود من كل شيء: أطراف مدينة، ساعة من أواخر ساعات النهار، ولقاءٌ بين من قرروا الهرب قليلا خارج الاعتيادي والمألوف. لقاءُ من قرروا التخلص من راحة روتينهم وبيوتهم للغوص في التجربة الليلية والإفطار ثم المشي بعيدا عن كل شيء ... 
بدأت الرحلة بأن قصدنا المكان حيث ستركن السيارات، لنمشي بعدها نحو ضفة البحيرة، حيث كانت تنتظرنا القوارب، كانت تلك المرحلة بمثابة فترة زمنية أمشي خلالها نحو أحد مخاوفي الأساسية : ركوب قاربٍ، و ٱلتَّخَلِي ٱلطَّوعِي عَنْ ثَبَاثِ وتوازنِ اليابسة. ورغم بقايا خوف قديم، كان هدفي منذ البداية هو الخروج عن المألوف من كل شيء، وتجربة العيش بطرق مختلفة. لذلك محوت كل ما يشبهني وركبت القارب كغيري ومع انشغالي في التقاط الصور لمن رافقني، والتأمل قليلا في فتنة المنظر،  اكتشفت أننا قطعنا نصف المسافة دون أن أحس أو أخاف، واكتشفت أن الخوف ليس سوى فكرة وأنه ليس سوى النظر المتواصل
نحو ما هو ماض ونحو ما آت دون عيش اللحظة حقا.

 

بعد أن أدركنا الضفة الأخرى، وكما هو متوقع، ولمدةٍ تقارب النصف ساعة، مشينا صوب مكان الإفطار، في ساعة من آخر ساعات النهار حيث يشتد عادة العطش والتعب. غير أن هذه التفاصيل الصغيرة، لم تأخذ من السحر شيئا... سحر المشي وحيدين بعيدا عن كل شيء... المشي بعيدا، لنقترب.
 مكان الإفطار كان أقل ما يوصف به هو كونه شديد الجمال،   وكالعادة كان كل شيء معدا بإتقان.  بعيدا عن سجن الجدران واعتيادية شاشات التلفاز، كانت أماكن الجلوس على أطراف مشهد بانورامي فاتن، كل ما يمنحه للفرجة كان الأفق بأشجاره، و مياهه، و سمائه... في ساعة من أجمل ساعات النهار "عند الغروب" سحر المشهد أغرى البعض بالاسترخاء والتأمل، بينما كان هم البعض الأخر هو إعداد إفطار الجميع بحماس وبمرح…


أفطرنا كما لم نفعل من قبل، " ذهب الظمأ وابتلت العروق ... " و تشبعت كل الحواس من ذوق وسمع وبصر، وتأهبنا لبدأ جولتنا الليلية أخيرا. بعد تمرين صغير اقترحه جمال        (لتتأقلم أعيننا التي ألفت الإضاءة الاصطناعية على الرؤية ليلا)، انطلقنا كل حسب قدرته على المشي وحسب هواه، منا من سار في جماعة ومن اختار المشي وحيدا... منا من آنس طريقه بتجاذب أطراف الحديث ومنا من اختار الصمت، وفي كل الحالات كان السحر طاغيا وكان الجمال سيد المكان والليلة الرمضانية.


من أصوات تكسر القش اليابس تحت وقع الخطوات، رائحة الأرض، لمسة النسيم تلطف الأجواء، أصوات حيوانات تذكرنا أننا أخيرا تحررنا ولو ليوم من سجن الرتابة والمدنية. كان ضوء القمر الطاغي مرشدنا، وأهدتنا السماء لليلتنا تلك الكثير والكثير من النجوم ... بعد طريق ليس بالقصير مر كالحلم، أتى الاقتراح العبقري من الرئيس بأن نمشي للخلف دون محاولة الالتفات أو استراق النظر، أولئك اللذين التزموا بالتعليمات كانت هديتهم مشهدا تتوقف له الأنفاس، بحيرة تعكس لصفائها عظمة  وبهاء السماء، على صفحتها يعكس ضوء القمر مضفيا على المكان والأرواح سكينة لا تضاهى.

 

في ذاك المكان الحلم، كانت استراحتنا: شاي، شدو وتأمل... كان استراحة خارج الزمن تمنينا لسحرها لو تدوم، غير أن الرحيل كان محتما، فارقنا المكان وكل منا يحمل معه ذكرى وأمنيات. عدنا أدراجنا صوب المنزل البسيط المطل على فخامة الطبيعة... عدنا لتناول وجبة العشاء الموعودة قبل مغادرة الحلم، مرت تلك الدقائق الأخيرة غنية وسريعة كما كل اللحظات قبل النهاية. عدنا أدراجنا سالكين الطريق نفسه، وكانت قواربنا في الانتظار لتقلنا للضفة الأخرى من الحلم. كانت تلك الرحلة الليلية في القارب كما المقطع الأخير من سيمفونية جميلة غنية ولا تضاهى، انعكاس ضوء القمر على السطح... صوت المجدافين يشقان طريقهما في الماء... الليل ... والهدوء... كانت تلك المقادير الرئيسية اللازمة لمحو ما تبقى من هم بأرواحنا... كانت تلك المقادير الرئيسية لهدهدتنا حتى الاسترخاء والسكينة . أدركنا الضفة، وبعدها السيارات، وكانت اللحظات الأخيرة زاخرة بالأحاديث الجانبية السريعة كأن كل واحد منا يحاول أن يحمل معه القليل من الأخر.


تودعنا كما يليق بحلم يشرف على الانتهاء. وعاد كل منا صوب واقعه. عاد كل منا لحياته اليومية محملا بالكثير الكثير من الجمال
.
لا أظن أن منا شخص لم يمسسه سحر الليلة وبهائها... من جهتي بعد ليلة الرابع عشر من رمضان مع روندوبيديا تغير في الكثير و أدركت أنني لن أتوقف بعد الآن عن الحلم وعن البحث عن السعادة الحقة ... البحث عنها في أماكن تواجدها ... هناك حيث الصفاء بعيدا عن صخب المدنية وجنون الاستهلاك... هناك حيث كل خطوة أمشيها تضيف لعمري عمرا أكثر وتجعلني أغنى وأسعد.

 تلك كانت ليلة الرابع عشر من رمضان مع روندوبيديا كما رأيتها. وأعرف أن كل مشارك عاشها بطريقته هو، وأن الرؤية ستختلف من شخص لأخر، غير أن الأكيد هو أن كل منا أخد معه حين المغادرة زادا من الذكريات يقيه رتابة أيام قد تأتي . شكرا جمال، شكرا لباقي المنظمين ممن لا أعرف أسمائهم، شكرا لكل المشاركين فردا فردا... شكرا لأنكم جعلتموني أرى الحياة أجمل. 
وإلــى حلم قادم إن شـاء اللـــه.