headerphoto

Randopedia dans taza , 12-13 mai 2012

 
 
 
Par :  
عــبد اللطيـف تُـونـلي
 
 
 

سِيـري يا "رُوندُوپِّـيديا" حتَّى لتازة...

 

يومي السبت و الأحد 12 و13 ماي 2012

يَـذكُـر التاريخ أنَّ مدينة "تازة" كانت دائما الممرّ الطبيعي الذي يصِلُ شرق المغرِب بِغَـربِه, وأنَّ جميع الحضارات والشعوب سلَكتهُ في تجارتِها وتنقُّـلاتِـها العسكرية, منذ عهد الرومان وانتهاءاً بالدُّول والسلاطيـن اللذيـن توالَوا على حُكم المغرب.
لكن الأمازيغ كان لهُم السَّبق, فأطلقوا على هذه البُؤرةِ من الأرض, التي تنتهي إليها جبال الريف وتبدأ عندها جبال الأطلس, إسم "تيزي" أي الطريق الضيِّق بين شَيئـين. توالت السِّنون على هذه التَّـسمِيّة ونالت منها عوامِل التَّعرِية اللغَوية فأصبحت "تازا" أو "تازة" التي نعرِفها اليوم.
ولم تَسلَم هذه الحاضرة من قبضة الأمثال الشعبيَّة المغربيَّة, فصار المغاربة يَضربون بها المثل في بُعدِ المسافةِ وطولِ الطريقِ إليها, وأرسلوا إليها في مَثلِهم من المخلوقاتِ من لا علاقةَ لها بِقطعِ المسافاتِ الطِّوال, فقالوا فيما قالوا :  "سيري يا الدجاجة حتى لتازة..."
فهل ذهبت الدجاجة؟  وهل وصلت إلى تازة؟  وهل عادت؟   "إيوا مُشكِلة هادي..."

وكأنَّ "روندوپـيديا" أرادت أن تقطع الطريق التي قطعَـتها الدجاجةُ من قبل, فأعدَّت لذلك العُدَّة واستدعت لِهذه الرحلة أبناءها وبناتِها إلى الرباط, ومِنهم من جاء إليهم من طنجة  "أُوبْلاَ عْچـز..."
ضُرب الموعدُ عند باب معهد الزراعة والبيطرة, مِن حيثُ خرجَت الدجاجة مِن قَـبلُ أوَّل مرَّة.  "قولوا نـتُـوما الله أعلم..."
تجَمَّع الرَّكبُ في المُلتقى, وانطلَقت المَركَباتُ مُحمَّلةً مُثقَلةً مع مَغيبِ شمسِ يومِ الجمعة. ومَضت القافلةُ ولم يكُن ينقُصها إلاَّ بعض الكِلاب لكي تَـنبَح مِن ورائها.   "باش تكْـمل الباهية..."
وسيري يا "روندوپـيديا" حتى لتازة.. ووصلَتها بُعَيدَ مُنتصف الليل. وبما أنَّ الأمازيغ قالوا إنَّ إسمَها "تيزي", فقد جعَـلَتها "روندوپـيديا" كذلك واتَّخذتها طريقاً لها إلى منطقة "باب بودير" حيثُ عين "راس الماء" ومحمية "تَـازكَّـة" الطبيعية. كانت الطريقُ إلى هناك صُعوداً والتِواءاً ذات اليمينِ وذاتَ الشِّمال, في عَتمَة ليلةٍ زيَّنت سماءَها النُّجوم.  "هاي هاي على رومانسية..."
وصلَتِ القافِـلةُ إلى مُنتهاها, وكان في الإنتظارِ عشاءٌ طال انتِظارُه, فكان صاحبُ الدَّارِ مِضيافاً مُرَحِّباً وخَدُوماً, فجَعل عشاءَ ضُيوفِه دسِماً كافياً ويزيد...
مرَّت ساعتان على مُنتصف الليل, وكان لابُـدَّ من أن ينام الرَّكب ليرتاح, و... "إيوا حتى لغـدَّا ونكمّْـل ليكُم  خ خ خ خ خ خ..."

جاء الغَـد, وأفاقَ بَنو "روندوپـيديا" فُرادى ومَثنى وثُلاث وجماعات, في وقتٍ لا هو بالباكر ولا هو بالمُتأخِّر, وكان موعِدُهُـم إفطاراً جمعَ أوَّلَهم وآخِرهُم فـلَم يتخَلَّف عنهُ أحد. مُدَّت لهُم مائدةٌ طويلةٌ تحت ظِلال شُجَيرات, وإلى مسامِعهم يصلُ صوتُ مياهُ عين "راس الماء" تجري في قناةٍ على مَقرُبةٍ منهُـم, فـسَعِدت بذلك أسماعُهم وأبصارُهم.. وبُطونُهم.  "إيوا آاااراك الحرشة والمسمّْن والفروماج والزيت البلدية..."


ذهب جوعُ الصباح وابتَـلَّـتِ العُروق, وشُدَّت النِّعالُ, واتَّجه الحَشدُ القليلُ إلى المَركَـبات التي ستَحمِـلُهم إلى حيثُ المسيرُ والمسيرُ ثُمَّ المسير...
كانت مسيرَة ساعتين أو ثلاث, سار فيهل الرَّكبُ مِن وراء دليلٍ قادَهُم وسطَ محمِيَّـة تحفـَــلُ بـِحـيوان الأيل البربري, وبين أشجار الفِـلـِّـين المُخضرَّةِ المُترامِية, تنسابُ مِن خِلالِها أودِيةٌ لِمِياهٍ عذبـةٍ بـاردةٍ تَستوقِفُ المارِّين بينها مِن حينٍ إلى حين, وعُيونُهم تتلهَّف لِرُؤية أيلٍ شاردٍ بالقُرب منهم أو حتى مِن بعيد. لكن الحيوان كانَ في مَعزِلٍ عنهُم فلَم يحظوا برُؤيتِه.   "دوماج ثمَّ دوماج..."


نال التَّعب مِن كثيرٍ مِن هؤلاء المُشاة المُجنَّدين لدى "روندوپـيديا", فحَـملَـتهُم المَركَباتُ مِن جديد إلى مأوى غير بعيد, حيثُ استُرجِعت الأنفاسُ وحيثُ المأكل والمَشرَب.
طعِم الجمعُ, ونادى مُنادي أن يا أيُّـها القومُ هل مِنكُم مِن صاعدٍ إلى هذا الجبل مِن ورائكُم. فصعد من صعد وتخلَّف من تخلَّف.   "داروا فيها تَـغَـدَّى وتَـمَـدَّى..."
أصبح السَّيرُ صُعوداً, جِـيئـَةً وذهابـاً نحو مُرتفَعٍ صخريٍّ يرتَفع بِأمتارٍ بين المِائة والمِائتين, وصارت الأنفاس تتلاحق, وأرجُـلُ الرَّاغبين في الجبل تتـثَـاقـل, ومنهُم من كان يضرِبُ بعصاهُ الأرضَ, لعلَّ الأرض حينَ يضرِبُها ترفعُه إلى الجبل رفعاً يسيراً.   "اَوالله أوما قـفـّـلتي لافوّرتي...
"


دقائق معدودة كانت كافيةً ليصل أبطال الجبل إلى قِمَّـته, فكان النظرُ إلى الوادي الفسيح والحقول المُخضرَّة والجبالِ المُحيطـة, كفيلٌ بأن يُنسِيـهم ويُـلهيـهِم عن تَعَـبـِـهـم, فـقَـرُّوا بذلك عينـاً إلى أن نادى نفسُ المُنادي إيذاناً بالنُـزول.   "اطلع لـجبـل, انزل شكون قالها ليك..."

 

مالت الشمسُ نحو المَغيب, وتمايلت معها الأرجُل التي مَشَـت وصعدَت ونزلَت, وتكاسل أصحابُها وهُم يُظهـِرون رغم ذلك فخراً واعتزازاً بِإنجازِهم, فكان لابُـدَّ مِن مُسكِّـنٍ لأنينِ أطرافِـهم المُنهكَة. وما مِن مُسكِّـنٍ أفضلَ وأنجعَ مِن سخُونةٍ هادئةٍ تُحيطُ بالأجساد المُتهالِـكَـة مِن كُلِّ جانب, وتكتَسِحُ الجوارِح والعقولَ, فـتَنحَـلُّ بذلك عُـقَـدُهـا وتَنجلِي كُـرَبُـهـا. إنَّه الحــمَّام, بل حــمَّامُ تازة.  
"پـشااااخ, حْــمَّام وصابون تازة ؟؟  أطْـلـق السّخوووووون..."
خرج الرُّونـدونـيُّـون من حمَّاماتِهم على غير ما دخلوا عليه وقد زال عنهُم تعَبُ الصباح, فأمسوا وكأنَّهم لم ينزِلوا ولم يصعَدوا. وصاروا يَتـرقـَّـبُــون المساءَ وعشاءَه, والليـلَ وسهَـرَه, حتَّى إذا أظلمتِ الدُّنيـا أُعِدَّت لهم موائدُ تحت النجوم, فأكلوا وشرِبوا ولم يُسرِفوا, فانتعَـشُوا وتحمَّـسوا وتَـهـيَّـؤوا للسَّهـر والسَّمـر. وكانت الدَّعوة عامَّة  "إيــــه نعَم آاااس, شْـبعَت الكرش وقالت للرَّاس غـنِّي..."

لم تَمنع السَّهرةُ المُشاةَ المُجنَّـدونَ لـَـدى "روندوپـيديا" أن يكونوا في الموعد للإفطار في اليوم التالي. أَفـطَـروا وشدُّوا رِحالَهم وملئوا مَركَباتِهم التي انطلـقَت بهم إلى الكهف, "كهف الرِّيـح" أو كما أسماه الأمازيغ "إفـري واطـو".
وكما صعدوا بالأمسِ أمتارَ الجبل التي جاوزت المائة, فسينزِلون اليومَ درجاتِ الكهفِ الخمسُمائة, ثُمَّ يعودونَ منها صعُوداً.   "آش دَّانـي... ولاش مشيـت..."
كان الكهفُ مِضيافاً رحباً واسعاً, يـستقبـلُ زُوَّارَه ببُرودَتِـه الرَّطبة, وفُوَّهـتِه الواسعةِ مِن فوقِـه التي تسمـحُ لأشعَّـة الشمس أن تُـنِيـر الطريـق وتُـبِيـنَ عن خُضـرَة نباتـاتٍ غطَّـت بعضاً مِن جُدرانِـه وشدَّت إليها عُـيونَ النَّـاظريـن. لَبِـثَ النَّـازِلونَ في الكهف بعضاً من السَّاعةِ يتَـملَّـقونَه إلى حينِ آنَ أوانُ أن يَـصَّعـَّـدوا الـدَّرَج خروجاً مِنه.

 

وجاء وقتُ الرحيل من أرض تازة, وقد قارَب اليومُ من مُنتصَفِه عندما كانت العَـرَباتُ تتأهَّـبُ لتجمعَ أبناء وبنات "روندوپـيديا" بما جمعوا من صُورٍ وذكريات, لتعودَ بهم من حيثُ جاؤوا أوَّل مرَّة.   " إيوا مـول المليـح باع وراح..."

 

مع تحيـــات : عــبد اللطيـف تُـونـلي